السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
465
مفاتيح الأصول
حاشية على المعالم بعد الاعتراض على ما في المعالم من دعوى انحصار القطعي في الضروري نعم هذا القدر من العلم لا يكفي التكاليف والأحكام الشرعية التي يقطع بثبوتها وبقائها إلى يوم القيامة مع عدم التعيين عندنا بعنوان العلم كما أن القدر الضروري من الدّين والمذهب لا يكفي لسائر الأحكام الشرعية فلا بد من اعتبار الظن لعدم التكليف بما لا يطاق وعدم إمكان الخروج عن العهدة بعنوان اليقين مع أن عدم اليسر والسّهولة يكفي لعدم الحرج واللَّه تعالى يريد منا اليسر ومما ذكر ظهر أن القرآن لو كان قطعي الدلالة أيضا لا يكفي ولا يفي وكذلك أصالة البراءة فلا حاجة إلى تجشم دعوى الظن في كل ما ليس بضروري وفي كلام بعض الفضلاء أن طرق القطع منتفية في أكثر المسائل الفرعية فإما أن يكون التكليف بهذه المسائل ساقطا عنا وإمّا أن نكون مكلفين بها بظن يحصل بها من أيّ شيء كان أو بظن يحصل من سبب دون سبب والأول باطل بالضرورة من الدين والثاني بمعلوميّة عدم جواز العمل بالقياس وإن أفاد ظنا قويا فالثالث هو المتعين وليس هذا السّبب هو الكتاب والإجماع الذي ثبت حجيته منفردين لعدم كفايتهما في المسائل التي ليس لنا طريق القطع بل عدم دلالتهما إلا على قليل من تلك المسائل ولا منضمّين مع الأمارات والدلائل العقلية الظنية لأنه لو فرض كون هذه الضميمة حجة شرعية مع بعده نقول لا تدل هذه الثلاثة أيضا إلا على قليل من تلك المسائل والمسائل الباقية التي لا دلالة لها عليها أضعاف ما تدل عليه فثبت جواز العمل بأخبار الآحاد التي اجتمع فيها شرائط جواز العمل قال الفاضل المحقق صاحب المعالم إن باب العلم القطعي منسد إلى آخره انتهى لا يقال لا نسلَّم الإجماع على بقاء التكليف بما انسدّ طريق العلم إليه من الأحكام الكثيرة الفرعية فإن الظاهر من جملة من كتب الخاصّة والعامة تجويز ارتفاع التكليف بما ذكر ففي الذريعة والعدة في بحث القياس في مقام ذكر أدلَّة القائلين بحجيّة استدلوا أيضا بأن قالوا إذا ثبت أنه لا بد في الفروع الشرعية من حكم لم نجد نصا ولا دليلا على حكمها فيجب أن نكون متعبّدين بالقياس وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه آخر فقالوا قد ثبت عن الصّحابة أنهم رجعوا في طلب أحكام الحوادث إلى الشرع فإذا علم ذلك من حالهم في جميع الحوادث على كثرتها واختلافها وصح أنه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره ولا دلالة فليس بعد ذلك إلا القياس والاجتهاد لأن التبحيت يمنع منه العقل وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى التي حكيناها عنهم لأنهم لم يرجعوا في هذا إلى إجماعهم على نفس القياس والاجتهاد بل رجعوا إلى إجماعهم في طلبهم الأحكام من جهة الشرع وفي الطريقة الأولى اعتبروا إجماعهم على نفس القول بالقياس فيقال لهم في الحوادث الشرعية حكم لكنه ما كان في العقل أو فيها حكم ولم نكلف بمعرفته أو لا حكم فيها جملة فكل ذلك جائز لا مانع منه أما تعلقهم بهذه الطريقة على الوجه الثاني الَّذي ذكروه واعتقدوا أنهم تحرزوا به من المطاعن التي تدخل عليهم في الوجه الأول فيجري مجرى في الضعف من الأول وذلك مبني على أنه لا نصّ يدل بظاهره ولا دليله ولا دلالة على أحكام الحوادث فيجب لذلك الرجوع إلى القياس فيها ودون ما ظنوه خرط القتاد لأنا قد بينا أن جميع ما اختلف فيه الصحابة من الأحكام له وجوه في النصوص وأن ما لا نقف على وجهه بعينه يمكن أن يكون له وجه وأن القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن مما يستغنى عن إعادته على أن أكثر ما في هذا أن يكون جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها للأحكام من جهة الشرع لا يدل حكم العقل فيها وأنه لا بد فيها من حكم شرعي ثم نقول إنهم ما رجعوا فيما طلبوه من جهة الشرع إلا إلى النصوص وعلى من ادعى خلاف ذلك الحجة فمن أين لهم أن جميع ما يحدث إلى يوم القيامة هذا حكمه وأنه لا بد من أن يكون المرجع فيه إلى الشرع ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل ولم إذا كانت الحوادث التي بليت بها الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كلّ حادثة وهل هذا إلا تمنّ وتحكم على أنه قد روي عن بعضهم ما يقتضي أنه رجع إلى حكم العقل في مسألة وهو مسروق لأنه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من ثريد مما يعلم بالعقل إباحته وفي العدة في بحث خبر الواحد وليس لأحد أن يقول إذا لم يكن في السمع دلالة على الحادثة إلا ما تضمنه خبر الواحد وجب العمل بحكم العقل لأنا متى لم نعمل به أدى إلى أن تكون الحادثة لا حكم لها وذلك لا يجوز لأنه إذا لم يكن في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة وجب تبقيتها على مقتضى العقل من الحظر أو الإباحة أو الوقف ولا يحتاج إلى خبر الواحد وفي الغنية في البحث المذكور وتعلقهم بأن الضرورة تقود إلى قبول أخبار الآحاد إذا حدثت الحادثة وليس فيها عليها حكم منصوص ليس بشيء يعول عليه لأن الضرورة إنما تعود إلى ما هو حجة في نفسه فعليهم أن يدلوا على أن خبر الواحد بهذه الصّفة وعندنا لا حادثة إلا وعلى حكمها دليل يوجب العلم ومتى فرضنا عدم الدليل رجعنا إلى حكم العقل فليس هاهنا ضرورة على ما ادعوه وقال في بحث القياس وتعلقوا أيضا بأن قالوا أيضا إذا ثبت أنه لا بد في الفروع الشرعية من حكم ولم نجد نصّا ولا دليلا على حكمها وجب أن نكون متعبّدين بالقياس والجواب عن ذلك أن يقال لهم ما أنكرتم أن نكون متعبّدين في الحادثة التي لا نصّ على حكمها بأحكام العقول لأنه لو كان حكمها من التكليف السمعي لوجب في حكمة اللَّه تعالى الَّذي لا يجوز عليه الإخلال بالواجب أن يبينه فإذا فقد بيانه من جهته تعالى قطع بتخصيصه بالعقليات فيكون حكم هذا الحادث